~ Dr. 'Yadh Ben 'Achour ~ Union Sacrée ~ Trinité Sacrée ~

التّحالف المقدّس بين الثّالوث المقدّس هو ميثاق بين سواد الشّعب, أهل السّيف وأهل العلم

د. عياض بن عاشور لـ «الشروق»: هناك شبه ميثاق بين ثالوث: الشعب ـ أهل السيف وأهل العلم


(حسب مقولة إبن خلدون والذي كان يسعى إلى سماع الرأي من لدن شيخ فقيه ثم يسعى إلى آخر يسميه القنديل الثاني ليتلقى رأياً موافقاً أو مخالفا) وعلى هذه الصفحة سيكون لنا موعد أسبوعي مع قناديل مضيئة في عالم الفكر والثقافة, تنطلق بدايتها مع شهر رمضان المبارك ومع قنديلنا الأول الدكتور عياض بن عاشور وكتابه الأخير «في أصول الأرثودوكسية السنية».

* أجرت الحوار رشاء التونسي

حسب موعد سابق إستقبلني باكراً في حديقة منزله العائلي الجميل، منزل آل عاشور في نهج زين العابدين بن عاشور مرتدياً الأبيض لون الصفاء وعلى رأسه تاجاً من الشعر الأبيض، كان يسقي الحديقة رفقة حفيده الصغير، رجل متواضع لطيف حسن الإستقبال، هالة من الأرستقراطية الوراثية تصاحبها هالة أخرى من الأرستقراطية الثقافية تجعله خارج السرب، لا يشبه السواد الأعظم الذي يتحدث عنه. إرتكنا ركناً في الحديقة والطريف أن سور الحديقة يسمح للمارة بمشاهدة الداخل، فيمر أحياناً بعض الجيرة، يمد رأسه ويسلم «بصباح الخير دكتور» بكل بساطة، «الدكتور عياض بن عاشور» عميد كلية العلوم القانونية والسياسية والإجتماعية في تونس سابقاً، عضو في معهد الحقوق الدولية، باحث تونسي مرموق في الدراسات القانونية والسياسية، إبن العلامة الشيخ الفاضل بن عاشور وحفيد المصلح التونسي الكبير الطاهر بن عاشور، أصدر مؤخراً كتاباً مهماً بالفرنسية بدار سيريس للنشر، بعنوان «في أصول الأرثوذكسية السُنية»، لا شك أنه يشكل إضافة نوعية في حقل الدراسات المتعلقة بالنسق السياسي والقانوني الإسلامي الوسيط. والكتاب المذكور هنا هو حصيلة أبحاث ودراسات متواصلة منذ عدة عقود، نشر الكاتب عديد الدراسات والبحوث باللغة بالفرنسية، وكان لها أثراً ملموساً في حقل الدراسات الإسلامية الغربية. تأثر بالمناخ الديني العائلي المتفتح بعيداً عن التزمت والإنغلاق والتحجر منذ طفولته، إتسم بجدل منصوب بين الوالد والجد على مائدة الطعام، شجع الأب والجد أولادهما وأحفادهما على الفكر الحر وحرية الجدل، ورغم دراسة الدكتور عياض علوم القانون والسياسة والإجتماع باللغة الفرنسية، يلفت النظر تملكه للغة عربية صافية أنيقة، وحسب رأيه يعود ذلك لمخزون قديم، ولحفظه القرآن منذ الطفولة والتعليم الديني الكلاسيكي والشعر العربي والمعلقات ضمن عائلة علمية زيتونية. ودراسته للعلوم الغربية وإحتكاكه بالفلسفة الغربية خاصة «الفيلسوف كانط» دفعت تفكيره إلى النقد الدائم، منذ طفولته، لا يقبل أن يكون فقط من بيئة مسلمة دون شرط، لا يقبل فكرة إلا إذا مرت على ما يسميه «بالمصفاة النقدية».

الكتابات الحالية كلها تتوجه إلى النخبة , وغالب المسلمين يتلقون تعاليمهم الدينية من فضائيات تبث دينا متحجرا بوجهة نظر شخصية لا علاقة لها بالتسامح والبعد الإسلامي الحقيقي؟
ـ الشعبوية التي يتسم بها الإسلام مبنية على أسس نظرية، مثلاً نظرية الإجماع أو الحديث النبوي «لا تتفق أمتي على ضلالة» أو «إتبعوا السواد الأعظم» كل هذا جعل من الشعب أداة فعالة في الحياة الدينية، وهذا يفسر مايفسر كيف أن الأفكار التنويرية مثل إبن رشد، كأبي بكر الأصم شيخ المعتزلة، إبن خلدون، أو شاعر مثل أبي العلاء المعري الذي كان خارج النمط التقليدي، أولئك في غالب الأحيان ليس لهم تأثير على مسار وتطور الحضارة الإسلامية، «الجاذبية نحو الأسفل» أما الشعب بمعناه الواسع فلديه دور كبير في تسيير الحياة الدينية في البلدان الإسلامية، وإنطلاقاً من هذا يصبح تاريخ الإسلام غير قابل للإنماء والإنفتاح وللتحديث.

في كتابك تذكر ان هذا بموجب شبه ميثاق بين «الشعب، والفئة القيادية» «المسؤول السياسي» وزمرة علماء الدين؟
ـ هذا ما أسميه «التحالف المقدس» ميثاق بين ـ سواد الشعب أهل السيف كما يقال عند الفقهاء وأهل العلم، وعندما يمسكون بعضهم بعضا يصبح تطور الإسلام نحو التحديث والإنفتاح صعبا جداً، وهذا مايفسر الإخفاقات الكبرى التي عاشها تاريخ الإسلام عند ظهور المعتزلة مثلاً، أو لتاريخ أقرب إخفاق الحركة الإصلاحية من الزيتونيين والأزهريين، أمثال محمد عبده،ورشيد رضا، والشيخ الخذر بن حسين، والشيخ الطاهر بن عاشور، أي فئة العلماء التقليدية التي نادت منذ أكثر من قرن بالتغيير والتفتح والتعصير، لكن واقع الإسلام اليوم لم يتطور بل أصبح متأخراً بالنسبة لما دعا إليه الأعلام الذين ذكرناهم، عندما نأخذ على سبيل المثال الفلاسفة مثل إبن رشد وإبن ماجة والمعتزلة الذين سادوا ما يقارب ثلاثون سنة ثم أتى المتوكل وأرجع الإنفتاح والأخذ عن اليونان وغيرهم، وتكونت المذاهب الفقهية وجمدت علم الفقه، هذا كله إنجر عنه إتحاد أو لحمة العناصر الثلاثة، السواد الأعظم الدي ترتكز عليه الكثير من المفاهيم الإسلامية، والقيادة السياسية المجبرة على الإنصياع لإرادة الشعب، وفئة العلماء. وذلك لأن الإسلام لا يميز بين الديني والسياسي، الديني والقانوني، وهذا ما يجعل تطور المجتمع غير سهل.

غير سهل أم مستحيل؟
ـ لا يمكن لمسلم مثلي ومثلك أن يفكر أن هذا مستحيل، ربما صعب لكن لا بد أن هناك مخرجاً، لنبقى متفائلين ولتدعيم تفائلي فإن الإسلام عاش فترات مزدهرة من حضارته في الميدان السياسي والثقافي والعلمي والفني في القرون الوسطى وفي العهد العباسي أثناء خلافة هارون الرشيد، والدولة الأموية في الأندلس، وليس هناك أدنى شك في إزدهار الإسلام، هذا دليل أن الأبواب ليست مغلقة تماماً، هناك رجاء دائماً. وإذا راقبنا التاريخ فالتطوير معرض دائماً للرجعة والتقهقر، بحيث أن السلفية التي نظن أنها من سمات العالم الحاضر لكنها تماشت مع تاريخ الإسلام منذ البداية حتى في زمن الصحابة. الرجوع إلى السلف الصالح، القول المحافظ، الذي يرفض التغيير ويتشبث بحرفية اللغة الإسلامية. الذي لا يقبل الإجتهاد ولا يقول بالرأي. تمثلت السلفية منذ البدايات في عدة تجارب تاريخية، ففي العهد العباسي تحت حكم القائم بأمر الله العباسي والقادر بأمر الله العباسي، كانت المعارضة الحنبلية نشطة جداً وقائمة في شوارع بغداد يومياً، كذلك الدولة الموحدية التي جاءت لتنفيذ برنامج ديني خلقي ثقافي متزمت جداً ونفذته في المغرب العربي، مثل عدم الإختلاط بين الجنسين حتى في حفلات الزواج العائلية، الخروج عن الحدود الخلقية الإسلامية واللهو الفن الشعر، الموسيقى وكل ظاهرة فنية. المرابطون في بداية أمرهم أيضا.

هناك نقطة تواصل بين كتابيك «التشريع والضمير» و«في أصول الأرثودوكسية السنية».
ـ في الضمير والتشريع حللت الحالة السياسية على المستوى النظري والفكري بالنسبة لحاضر العالم الإسلامي اليوم: ما هو موقف المسلمين عامة من مسائل كالحرية، حقوق الإنسان، الديمقراطية، العلمانية، وأثبت أن غالب الآراء في الإسلام محافظة لا تقبل الحداثة إلا بشرط، أن لا تكون مخالفة للشريعة والأحكام القانونية الواردة في القرآن والحديث النبوي. في الكتاب الثاني «في أصول الأرثودوكسية السنية» تعرضت للتفسير التاريخي لهذا الوضع. والكتاب عبارة عن المخزون الثقافي الموجود في ذهن كل مسلم عادي، كيف يفكر؟ ما هي قيمه؟ ما هي طموحاته؟ كيف يفهم الحياة؟ كيف يفسر العلاقة بين الموجود واللا موجود؟ العلاقة بين المجتمع والدولة؟ بين الرئيس والمرؤوس؟ كيف يتصور الحياة الدنيا؟ ما هو الفوز الأكبر؟ ما هي القيم الأخلاقية التي يؤمن بها ويطبقها على نفسه وعلى أولاده؟ إن كان مثقفاً أو غير مثقف؟ والغريب في الأمر أن رغم الفوارق الكبيرة بين الفئة العالمة وسائر الشعب الذي لا يقرأ الغزالي ولا الشاطبي ولا تصله الكتب العلمية، ورغم الهوة بين الفكر النظري العلمي والثقافة الشعبية، فالتفكير موحد بينهم، حتى الغزالي الذي يتكلم لغة علمية والشاطبي وكذلك إبن تيمية فلا فارق من حيث المحتوى وجوهر الفكر بين تفكيرهم وبين الفكر الشعبي، القيم موحدة والرؤى شبيهة

.

من بين المواضيع التي تعرضت إليها في كتابك الموضوع الأزلي لحقوق المرأة؟
ـ بداية السؤال: ما هو المنهاج الذي ينتهجه العالم المفكر عندما يتعرض لقضية المرأة؟ ينطلق غالباً من رؤية تلقائية للعلاقة الطبيعية بين الرجل والمرأة، ففي نظره إذا أثبت القرآن أن الرجال قوامون على النساء فهذا أمر طبيعي، لأن القوامة مبنية على فوارق بيولوجية طبيعية بين المرأة والرجل، فهو أقوى وأذكى وأنشط بيولوجيا. حتى عباس محمود العقاد ذكر ذلك في كتابه «المرأة في القرآن» وهذا الحكم مشترك بين الفكر العلمي والفكر البسيط . والعلاقة بين المرأة والرجل علاقة مطبوعة بالروحانيات، لكن الهدف من الزواج هو إستمرار وبقاء النوع الإنساني، وتنفيذ برنامج خلقي يبنى عليه المجتمع، تربية ناشئة تكون أفكارها مبنية منذ الطفولة على قيم روحية كالحب والصداقة والتضامن، حب الآخر، العلم، الثقافة، الفن، الإزدهار الحضاري، التقدم... إلى غير ذلك.

ما هو الحل في نظركم؟
ـ لا بد أن نغير مفهومنا للقانون الطبيعي، ونجدد رؤانا حول هذا القانون لتغيير التفكير فيما يخص المرأة والرجل، لا يكفي تصدير مجلة أحوال شخصية، فهي تشريع يمكن أن يأتي حاكم آخر ليلغي ما سبق، ونعود إلى نقطة البداية، فالمسألة ليست مسالة تشريع بل قضية عقلية مدنية لابد من تبديلها، لتكوين رؤى جديدة حديثة للقانون الطبيعي لمكانة المرأة، التي هي لا أدنى ولا أعلى، فلا بد من مساهمة الرجل والمرأة في حضارة وثقافة وقيم ومجتمع معين، التشريع له أهمية أكيدة فهو يساهم في تغيير العقليات، لكن من الأهم تغيير العقليات المدنية السائدة في مجتمعاتنا المدنية . وإن كنا في تونس قطعنا مسافات مهمة في تشريعاتنا، ما زال العالم الإسلامي بعيداً جداً في نظرته للمرأة والرجل وهذا مرتبط بعقلية معينة .

كل قراءة تمثل سلطة معرفية، وكل سلطة تفترض سلطة مضادة فمن أي المواقع تنطلقون في قراءاتكم خاصة أننا تحدثنا عن التأويل والتنوير والتبرير؟
ـ الموقع الذي إنطلقت منه هو قراءة نقدية للتأويل السائد عند أهل السنة فيما يتعلق برؤيتهم للتاريخ والتشريع والسياسة, وأعتقد أن أبعد إنسان يمكن أن يحكم بنظرة علمية حول الدين هو رجل الدين الذي يدخل إلى الميدان دفاعاً عن الدين، منذ البداية دون مصلحة ذاتية، وإذا دخل مهما كان سعيه إلى الموضوعية عندما يتطرق إلى موضوع الدين يتطرق دائماً دفاعاً عنه. لذلك أحاول في كتاب «في أصول الأرثودوكسية السنية» أن أدخل إلى البحث في المسائل الدينية وكأنني مقطوع الأصول، و في مقدمة كتاب الضمير والتشريع، بينت الشروط الدنيا التي لا بد أن يحترمها الباحث إذا أراد أن يقترب شيئاً ما من الموضوعية، حاولت أن أتجاوز الذاتية وجعل حاجزاً بين الباحث والمسألة المبحوث فيها.

ما مدى وجاهة الحديث اليوم عما يسمى «عودة المقدس» ما هي شروط إمكان إحترام التقاطعات الممكنة بين العقيدة الشيعية والعقيدة السنية؟
ـ عودة المقدس مرتبطة بالظروف الداخلية والخارجية التي عاشها الإسلام منذ الحرب العالمية الثانية، وهذا شئ يمكن أن نفسره بالمحيط السياسي والدولي للعالم الإسلامي، والتقاطعات تتأثر بهذا المحيط، مثلاً ما نشاهده من الرجوع الرهيب بعد ألف سنة من كربلاء في أفغانستان والباكستان، تدخل السلط والدول الأجنبية في العراق ضد النظام، وما تبع ذلك من إحياء وإنعاش الخلاف التاريخي بين أهل السنة وأهل الشيعة.

هل أن الإعتقاد الديني وحده كاف للإنتماء السياسي، وإلا كيف نفسر جذب حزب الله للسنة؟
نجاح حزب الله للسنة هو مسالة وطنية وإنجاز ضد إسرائيل، فقد تمكن حزب الله بصفة فعالة وجذرية دون أوهام في مقاومة إسرائيل، أثبت وجوده في الشرق الأوسط وكان نجاحه ملموساً واقعياً.

إذا كان المثقف في المنتظم الحضاري العربي الإسلامي هو من يستمد شرعيته من سلطة الشريعة والمعرفة وقراءة «النوازل» ودروب التأويل السني والشيعي والمرجئي والصابئي والصوفي وغيرهم، فهل أن مجرد المعرفة بهذه المجالات كاف لتجعل من يشتغل بهذا المشائل اليوم مثقفا؟
ـ ذلك ليس كافياً، التكوين في الثقافات التقليدية شرعية أدبية لا تكفي لتكوين مثقف بالمعنى الحديث للكلمة، المثقف الحقيقي لا بد أن يكون ملماً بأكبر جانب من إكتسابات الحداثة، كيف يمكن لعالم في العلوم الصحيحية أن يتجاهل مكتسبات الغرب من علوم الفيزياء والكيمياء والرياضيات أو في أي مجال آخر من مكتسبات العلوم الغربية, ونفس الشيء بالنسبة للثقافة العامة، لا يكفي لمثقف ما وخاصة في العالم الإسلامي أن يدعي أنه مثقف إذا كان تكوينه &

Aucune note. Soyez le premier à attribuer une note !

diplome-1.jpg

Créer un site gratuit avec e-monsite - Signaler un contenu illicite sur ce site

×