هذا الكتيب *

لمن أسرتهم قوانين الغرب ومعالجاته وأفكاره وأنظمته

للسياسيين والقضاة والمحامين وكل من له علاقة بالناحية القانونية والحقوقية لإدراك عظمة الإسلام

ابو شجاع
* بتصرف في مقدمة الطبعة الثالثة
 
بسم الله الرحمن الرحيم
 نقض القانون المدني
للنـائــب
احمـــد الداعـــور

هذه الكلمة القاها النائب احمد الداعور نائب منطقة طولكرم في مجلس النواب الأردني وناقش فيها القانون المدني , وذلك بتاريخ 30 من جمادى الاولى 1374 , الموافق 24 من كانون الثاني (يناير) 1955. وقد نشرت هذه الكلمة في محضر مجلس النواب الاردني في الجريدة الرسمية , العدد 55 المؤرخ في 22من شهر جمادى الاخرة 1374 , الموافق 15 شباط 1955. وهذه الكلمة هي مناقشة للقانون المدني من حيث هو , ولذلك تشمل القانون المدني المصري والسوري والفرنسي والالماني , ونوقشت نظرية الالتزام من حيث هي والقانون المدني من حيث هو , فهي نقض للقانون المدني .

بسم الله الرحمن الرحيم
معالي رئيس مجلس النواب :
حضرات النواب
قدمت الحكومة لهذا المجلس الموقر مشروع القانون المدني , واني اتقدم اليكم بالدراسة التالية لهذا المشروع .

تعلمون - يا حضرات النواب - اننا في حالة من قانون ولسنا في حالة قراءة قانون , اي نحن في حالة تشريع لا في حالة قضاء , واذا كان القاضي لا يستغني عن الرجوع الى الفقه , الذي هو مصدر القانون , ليفهم به القانون , فانه يتحتم على المشرع للقانون ان يرجع الى الفقه الذي استمد القانون منه , حتى يكون سنة للقانون عن هدى وبينة . فاذا وجد هذا الفقه - وهو اصل القانون - فاسدا , تحتم عليه رد القانون لفساد اصله , ولذلك اجد لزاما علينا , ونحن في حالة تشريعية , اي في حالة سن القانون - ان نرجع الى المصادر التي استمد القانون احكامه منها , وان نرجع الى الفقه بشكل عام , ولهذا سأتحدث عن هذا القانون , حديثا تشريعيا , وهذا يحتم الرجوع الى الفقه الذي استمد منه القانون ليتبين الوجه الحقيقي للقانون, واود ان اشير الى ان حديثي عن الناحية الفقهية للقانون , ليس حديثا تعليميا , ولا حديثا مدرسيا , وانما هو حديث قانوني , حديث يتعلق باغراض النصوص التشريعية التي انتلت الى مشروع قانون , حتى تنتهي من دور التشريع , وتسن قانونا . ولذلك اجدني مضطرا لان اتكلم في عدة نقاط , منها ما يتعلق بالمشروع نفسه , ومنها ما يتعلق بمصادره , ومنها ما يتعلق بالنظرة التي يقوم عليها , ومنها ما يتعلق بالصل الفقهي للقوانين المدنية , ومنها ما يتعلق بالشريعة الاسلامية .

1 - المشروع المقدم
يتبين من هذا المشروع , ان فيه عدة عيوب شكلية وموضوعية , وتبرز فيه على الاخص العيوب الاتية :

أ - ان اطلاق اسم (القانون المدني) على هذا القانون اطلاق خاطىء , لانه قانون ينظم علاقات الناس , وهو قانون معاملات , وليس هناك اي صلة بين لفظ المدني والمعاملات , فوصف القانون بأنه مدني , وصف غير منطبق على حقيقته , لان حقيقته انه ينظم علاقات الناس , وهذه معاملات , ولا صلة للقانون بالمدنية مهما اريد بها من معاني . فان اريد بالمدنية الرقي (ضد التأخر ), فالقانون يوصف بانه ينظم العلاقات , وبانه قانون معاملات , وقد يكون راقيا وقد يكون غير راق , فالقانون الفرنسي الذي وضع في ايام نابليون قد ظهر للفرنسيين فساده وتأخره , ووضع بدله قانون مدني جديد , ومع ذلك لا يزال يسمى القانون المدني , والقانون الروماني ظهر فساد نظرياته , ومع ذلك لا يزال يقال عنه القانون المدني , وليس المراد من وصف القانون بالمدني , بيان كونه راقيا او غير راق , بل المراد بيان حقيقته بانه وضع لينظم المعاملات , ولذلك لا علاقة مطلقا بين المدنية وبين المعاملات . وان اريد بالمدنية النسبة الى المدينة , فالقانون لم يوضع للمدينة فقط , وانما وضع للمدينة والقرية ومضارب البدو , فتخصيصه بالمدنية لا وجه له مطلقا . وان اريد بالمدنية الاشكال المادية المحسوسة , فهي عالمية , وهي ليست المنظمة للعلاقات , فلا علاقة للقانون بالاشكال والصناعات , وعليه فلا وجه لتسمية القانون بالقانون المدني , ولا لوصفه بأنه مدني , بل هو قانون المعاملات .

ب - ان هذا القانون , لم يشمل قانون الاسرة , كالزواج والطلاق , وتركه لقانون اخر , اطلق عليه قانون الاحوال الشخصية , مع ان علاقات الناس يدخل في صميمها الزواج والطلاق ولذلك لا وجه لعدم ذكره لها, ولا وجه لفصلها عنه , لانها علاقات وليست احولا شخصية , ومع ذلك فان هذا القانون ذكر بعض احكام الاسرة باعتبارها معاملات , مع انها من احكام الاسرة , فذكر احكام الصغير . وتعرض لاحكام الوصية , وفصل تصفية التركات , وبذلك يكون قد جزأ احكام الاسرة , فجعل قسما منها في قانون منفرد , اطلق عليه اسم الاحوال الشخصية , وترك لمحاكم طائفية , وجعل قسما منها جزءا اخر اطلق عليه اسم القانون المدني , وترك لمحاكم نظامية , وترك احكام الاسرة مجزأة , يجعل المعاملات مجزأة والمعاملات كلها واحدة , من احكام الزواج , الى احكام البيع , ومن احكام الطلاق , الى احكام الاجارة , ويجب ان تندرج تحت قانون واحد .

ج - خلط هذا القانون بين المواد التي تكون في المعاملات وبين المواد التي تكون في اصول المحاكمات , وبين المواد التي تكون في قانون البينات , فمثلا نجد في هذا القانون - المادة 32 - تبين ما تثبت به الولادة , ومحل هذه المادة هو قانون البينات , وذكر في بحث الشخص الطبيعي - المادة 34 - عن الشخص الغائب , ومحلها البحث في الغائب , ويجب ان يكون له في القانون بحث خاص , في فصل خاص يبين احكامه . وذكر المادة 35 عن الجنسية الاردنية , ومحل هذه المادة الدستور وليس القانون . وذكر المواد 42 , 43 , 44 ,‎45 في الشخص الطبيعي , وهي تتعلق في محل الاقامة, ومحلها اصول المحاكمات لا قانون المعاملات , وذكرت المواد 46 , 47 , 48 , 49 , 50 في الباب الاول , ومحلها هو بحث اهلية التصرف وهو بحث خاص . وهكذا ذكرت في هذا القانون مواد في غير موضعها , بالنسبة للقانون نفسه , كما ذكرت مواد في هذا القانون ومحلها الدستور, وذكرت مواد في هذا القانون , ومحلها قانون اخر , ولذلك كان الخلط في التبويب , وفي المواد , ظاهرا في هذا القانون .

د - الاسلوب الذي اتبع في صياغة مواد هذا القانون اسلوب مفكك , لانه اعتمد في صياغته على قوانين متعددة , والاستعانة في صياغة احكام القانون , باكثر من تقنين , تفضي الى التفكك , والى الجمع بين متناقضات ومتنافرات , ولذلك نجد هذا القانون من ناحية الصياغة القانونية , لم تلاحظ فيه النزعة المادية ولا النزعة النفسية , ولم يراع فيه المنطوق ولا المفهوم , ولم يتصور واضعوه اي نزعة , ولا اي معقول للنص حين يوضع , وكل همهم جمع الفاظ من قوانين متعددة . ولذلك سيجد القاضي نفسه متحيزا بين ان يحكم المألوف المعروف , فيفسر القانون بحسبه , ويبحث عن النية والارادة الباطنة فيراعيها , وبين ان يتقيد بحرفية النص فلا يخرج عنها , وبين ان يطبق المعاني التي دل عليها لفظ النص في مفهوم الموافقة والمخالفة , وذلك لان القانون نقل طائفة من النصوص من تقنيات متعددة , وجعلها مع تناقضها جزءا من قانون واحد , فظهر الاضطراب في مفهوم النصوص , وذلك لما بين التقنيات المتعددة , التي نقل منها النصوص من تباعد واختلاف في الاصل والاعتبار , واسس الصياغة الفقهية , وغير ذلك . ولهذا يجد القاضي نفسه امام قانون يتعسر عليه تطبيقه , ان لم يتعذر كليا .

هـ - ويلاحظ في هذا المشروع من ناحية سياسته التشرعية , انه لا يترك للقاضي مجال الاجتهاد في الفهم والاستنباط , ولا مجال الرجوع الى نصوص تشريعية , او الى المصادر الاصلية , ليفهم بها النص القانوني , وانما يجعل القاضي امام نصوص جامدة وضعت في مواد , وصيغت هذه المواد بشكل جعلها نصوصا ضيقة , وسيكون من جراء ذلك ان تغل هذه النصوص يد القاضي , فلا يستطيع ان يطبق القانون بحيث يضمن العدل ولهذا نجد كثيرا من القضاة في القوانين المماثلة لهذا القانون يحكمون بقضايا , ويرون هم انفسهم ان الحكم غير عادل , ولكن القانون يقضي بهذا الحكم . ولذلك يتحير القاضي بين تحقيق العدل , وبين تطبيق القانون , والذي جعل نصوص هذا القانون ضيقة , لا تترك للقاضي مجالا للاجتهاد , كونه احتوى على قواعد تشريعية , ومسائل تفصيلية , فقيد بذلك اجتهاد القضاة , لان القاعدة التشريعية هي التي تشتمل على بيان ناحية من نواحي التشريع , ويمكن ان تندرج تحتها عدة احكام , مثل قاعدة ( الاصل في الاشياء الاباحة ) والمسألة هي بيان الحكم الشرعي لجزئية واحدة , مثل منع اجارة الارض بخمس نمائها, فاشتمال القانون على القواعد التشريعية , تقييد للقاضي بالاجتهاد في حدودها , وهي ليست من الادلة الشرعية التي يستنبط المجتهد منها حكما . ولذلك كان تقييده بالقواعد تقييدا لاجتهاده , واشتمال القانون على المسائل يقيد القاضي بحدودها , فاذا جاءت قضية لم ينص القانون عليها , وقف القاضي عند نص القانون , وهذا تقييد له , لان المسائل الجزئية لا تنتهي, وهي تتجدد كل يوم , لذلك لا يجوز ان توضع في القانون قواعد تشريعية , وانما توضع في الفقه , وتوضع في الدستور : اما وجودها في الفقه فلانه مرجع لتشريع القوانين وسنها , واما وجودها في الدستور , فلاجل بيان نواحي تشريعية هامة تتبناها الدولة , حتى لا تتناقض القوانين معها , وحتى يتضح للناس ما يحكمون به من قبل الدولة مباشرة , ولذلك يتضمن الدستور قواعد تشريعية لانه القانون الاساسي للدولة . اما القوانين فهي معالجات المشاكل العملية , واحكام للمسائل التفصيلية التي ستحدث , توضع لفصل الخصومات. وما في هذه القوانين احكام قضائية , وليست قواعد تشريعية , وتختلف عن الاحكام الموجودة بالكتب الفقهية , بالصوغ القانوني , الذي يعطيها صفة العموم , لتنتدرج تحتها جميع المسائل الجارية . وعمل القاضي انما هو فصل المنازعات , او الاخبار على سبيل الالزام بالحكم , في مسألة المتنازع عليها , وليس من عمل القاضي , ان يصدر قرارت تتضمن القواعد التشريعية , لان عمل القاضي , ليس حجة يرجع اليها قاض اخر . ولذلك لا يوجد ما يسمى بالقضايا المبدئية , اذ المرجع هو الاحكام الشرعية المستنبطة , وليست قرارات القضاة . لذلك كان اشتمال القانون على قواعد تشريعية , وعلى مسائل تفصيلية , خطأ . ولا يجوز ان يشتمل الا على احكام تندرج تحتها جميع المسائل الجارية . اذ الحكم هو خطاب الشراع المتعلق بافعال العباد كالاباحة والحرمة , ويكون الحكم عاما لعدة مسائل , مثل منع الربا , فانه يشمل ربا الفضل وربا النسيئة .

ز - استمد هذا المشروع احكامه من مصادر متعددة , فقد استمد من التقنينات الاجنبية المختلفة , واستمد من الفقه الاسلامي . ولكل مصدر من هذه المصادر مذهبه في فقه التقنين , وتخريج احكامه على طرائق من النظر , تمثل تصويرا فكريا معينا , ولا يمكن اعتبار هذه المذاهب جميعها اصلا واحدا , جامعا للحلول العملية , التي يتضمنها التقنين , علاوة على سبب كل حل من هذه الحلول , هو الحاجة التي اقتضت وضعه , والحاجة تختلف اعتبارا عند الناس بحسب وجهة نظرهم في الحياة ,‎فقد ترى بلد الحاجة الى وضع تشريع لمنع الربا - كما هي الحال في النظام الاشتراكي مثلا - في حين ان الحاجة عند النظام الرأسمالي تقتضي اباحته , ولا تجيز منعه , وتعتبر منعه يعطل الاعمال المالية , فكيف يمكن استمداد قانون على هذين الاعتبارين المتناقضين ? لكن هذا المشروع استمد من هذه المتناقضات , فقد جعل هذا المشروع التقنينات الاجنبية المصدر الاساسي , واعتبرها عنصرا هاما , واقتبس منها احكاما تفصيلية وقواعد عامة .
فمن امثلة الاحكام التي استرشد بها المشروع بالتقنينات الاجنبية , مسائل تنازع القوانين , فانها اخذت عن القانون الايطالي القديم , وقد نظم المشروع ملكية الاسرة , وهي صورة من صور الملكية الشائعة , وقد استهدى بذلك بالتقنين السويسري , والتقنين الايطالي . واستمد المشروع من القانون الفرنسي احكاما خاصة بتنظيم ملاك الطباق اذا ارادوا ان يكونوا اتحادا فيما بينهم .
واحتوى المشروع على احكام اخذها من الفقه الاسلامي , باعتباره قانونا , لا باعتباره شريعة اسلامية ولذلك ازال عنها التعبير الفقهي , مع ان له دقته في التعبير عن الحكم , ووضعها باسلوب ركيك سقيم . ومن هذه الاحكام بيع المريض مرض الموت , والشفعة , والهبة , وسداد الدين قبل ايلولة التركة الى الورثة , وايجار الوقف , والحكر , وانقضاء الايجار بموت المستأجر , وغير ذلك . اما حوالة الدين , فانه اخذها عن القوانين الحديثة , وليس عن الشريعة الاسلامية . وهكذا تجد الاحكام التي يحويها القانون , قد جمعت من كل واد عصا , ولذلك نجدها قلقة متنافرة .

2 - مصادر المشروع

يتبع