~ La Lettre de Ibn Attawam à Abi Al'Ass Athaqfi ~ Alja'heth ~

من كتاب البخلاء للجاحظ

رد ابن التوأم على أبي العاص الثقفي

بسم الله الرحمن الرحيم

أما بعد، فقد بلغني ما كان من ذكر أبي العاص لنا، وتنويهه بأسمائنا، وتشنيعه علينا. وليس يمنعنا من جوابه إلا أنه إن أجابنا لم يكن جوابنا إياه على قوله الثاني، أحق بالترك من جوابنا له على قوله الأول. فإن نحن جعلنا لابتدائه جواباً، وجعلنا لجوابه الثاني جواباً، خرجنا إلى التهاتر وصرنا إلى التخابر. ومن خرج إلى ذلك فقد رضي باللجاج حظاً، وبالسخف نصيباً.

وليس يحترس من أسباب اللجاج إلا من عرف أسباب البلوى. ومن وقاه الله سوء التكفي وسخفه، وعصمه من سوء التصميم ونكده، فقد اعتدلت طباعه، وتساوت خواطره. ومن قامت أخلاطه على الاعتدال، وتكافأت خواطره في الوزن، لم يعرف من الأعمال إلا الاقتصاد، ولم يجد أفعاله أبداً إلا بين التقصير والإفراط؛ لأن الموزون لا يولد إلا موزوناً، كما أن المختلف لا يولد إلا مختلفاً. فالمتابع لا يثنيه زجر، وليست له غاية دون التلف. والمتكفي ليس له مأتى ولا جهة، ولا له رقية، ولا فيه حيلة. وكل متلون في الأرض فمنحل العقد، ميسر لكل ريح.
فدع عنك خلطة الإمعة، فإنه حارص لا خير فيه؛ واجتنب ركوب الجموح ذي النزوات، فإن غايته القتل الزؤاف؛ ولا في الحرون ذي التصمم. والمتلون شر من المصمم، إذ كنت لا تعرف له حالاً يقصد إليها، ولا جهة يعمل عليها. ولذلك صار العاقل يخدع العاقل، ولا يخدع الأحمق؛ لأن أبواب تدبير العاقل وحيله معروفة، وطرق خواطره مسلوكه، ومذاهبه محصورة معدودة. وليس لتدبير الأحمق وحيله جهة واحدة من أخطأها كذب. والخبر الصادق عن الشيء الواحد واحد. والخبر الكاذب عن الشيء الواحد لا يحصى له عدد، ولا يوقف منه على حد. والمصمم قتله بالإجهاز، والمتلون قتله بالتعذيب. فإن قلنا، فليس إليه نقصد، وإن احتججنا، فليسنا عليه نرد. ولكنا إليك نقصد بالقول، وإليك نريد بالمشورة.
وقد قالوا: احفظ سرك، فإن سرك من دمك. وسواء ذهاب نفسك، وذهاب ما به يكون قوام نفسك. قال المنجاب العنبري: "ليس بكبير ما أصلحه المال". وفقد الشيء الذي به تصلح الأمور أعظم من الأمور. ولهذا قالوا في الإبل: "لو لم يكن فيها إلا أنها رقوء الدم" - فالشيء الذي هو ثمن الإبل وغير الإبل أحق بالصون. وقد قضوا بأن حفظ المال أشد من جمعه. ولذلك قال الشاعر:

 

وحفظك مالاً قد عنيت بجمعـه

 

أشد من الجمع الذي أنت طالبه

 

ولذلك قال مشتري الأرض لبائعها، حين قال له البائع: دفعتها إليك بطيئة الإجابة، عظيمة المؤنة. - قال: دفعتها إليك بطيئة الاجتماع، سريعة التفرق.
والدرهم هو القطب الذي تدور عليه رحى الدنيا. واعلم أن التخلص من نزوات الدرهم وتقلبه - من سكر الغنى - وتفلته شديد. فلو كان إذ تفلت، كان حارسه صحيح العقل، سليم الجوارح، لرده في عقاله، ولشده بوثاق. ولكنا وجدنا ضعفه عن ضبطه، بقدر قلقه في يده.
ولا تغتر يقولهم: مال صامت؛ فإنه أنطق من كل خطيب، وأنم من كل نمام. فلا تكترث بقولهم: هذين الحجرين، فتتوهم جمودهما وسكونهما، وقلة ظعنهما، وطول إقامتهما؛ فإن عملهما، وهما ساكنان، ونقضهما للطبائع، وهما ثابتان، أكثر من صنيع السم الناقع، والسبع العادي. فإن كنت لا تكتفي بصنيعه حتى تمده، ولا تحتال فيه حتى يحتال له، فالقبر خير لك من الفقر، والسجن خير لك من الذل.
وقولي هذا مرة يعقب حلاوة الأبد. فخذ لنفسك بالثقة. فقولك الماضي، حلو يعقب مرارة الأبد. فخذ لنفسك بالثقة. ولا ترض أن يكون الحرباء الراكب العود أحزم منك؛ فإن الشاعر يقول:

أني أتيح لها حرباء تـنـضـبة

 

لا يرسل الساق إلا ممسكاً ساقا

واحذر أن تخرج من مالك درهماً، حتى ترى مكانه خيراً منه. ولا تنظر إلى كثرته؛ فإن رمل عالج فلو أخذ منه ولم يرد عليه، لذهب عن آخره. إن القوم قد أكثروا في ذكر الجود وتفضيله، وفي ذكر الكرم وتشريفه، وسموا السرف جوداً، وجعلوه كرماً. وكيف يكون كذلك وهو نتاج ما بين الضعف والنفج؟ وكيف، والعطاء لا يكون سرفاً إلا بعد مجاوزة الحق، وليس وراء الحق إلى الباطل كرم. وإذا كان الباطل كرماً كان الحق لؤماً. والسرف - حفظك الله - معصية. وإذا كانت معصية الله كرماً، كانت طاعته لؤماً. ولئن جمعهما اسم واحد، وشملهما حكم واحد، ومضادة الحق للباطل، كمضادة الصدق للكذب، والوفاء للغدر، والجور للعدل، والعلم للجهل، ليجمعن هذه الخصال اسم واحد، وليشملنها حكم واحد.
وقد وجنا الله عاب السرف، وعاب الحمية، وعاب المعصية. ووجدناه خص السرف بما لم يخص به الحمية؛ لأنه ليس حب المرء لرهطه من المعصية، ولا أنفقته من الضيم من حمية الجاهلية. وإنما المعصية ما جاوز الحق، والحمية المعيبة ما تعدى القصد. فوجدنا اسم الأنفة قد يقع محموداً ومذموماً، وما وجدنا اسم المعصية، ولا اسم السرف يقع أبداً إلا مذموماً.
وإنما يسر باسم السرف جاهل لا علم له، أو رجل إنما يسر به، لأن أحداً لا يسميه مسرفاً حتى يكون عنده قد جاوز حد الجود، وحكم له بالحق، ثم أردفه بالباطل. فإن سر من غير هذا الوجه، فقد شارك المادح في الخطإ، وشاكله في وضع الشيء في غير موضعه.
وقد أكثروا في ذكر الكرم. وما الكرم إلا كبعض الخصال المحمودة التي لم يعدمها بعض الذم. وليس شيء يخلوا من بعض النقص والوهن. وقد زعم الأولون أن الكرم يسبب الغبا، وأن الغبا يسبب البله، وأنه ليس وراء البله إلا العته. وقد حكوا عن كسرى أنه قال: "احذروا صولة الكريم إذا جاع، واللئيم إذا شبع" - وسواء جاع فظلم وأحفظ وعسف، أم جاع وكذب وضرع وأسف. وسواء جاع
فظلم غيره، أم جاع فظلم نفسه.

والظلم لؤم. وإن كان الظلم ليس بلؤم، فالإنصاف ليس بكرم. فالجود إذا كان لله كان شكراً له، والشكر كرم. ولن يكون الجود - إذا كان معصية - كرماً. فكيف يتكرم من يتوصل بأياديك إلى معصيتك؟ وبنعمتك إلى سخطك؟ فليس الكرم إلا الطاعة. وليس اللؤم إلا المعصية، وليس بجود ما جاوز الحق، وليس بكرم ما خالف الشكر. ولئن كان مجاوز الحق كريماً، ليكونن المقصر دونه كريماً.
فإن قضيتم بقول العامة، فالعامة ليست بقدوة. وكيف يكون قدوة من لا ينظر ولا يحصل، ولا يفكر ولا يمثل؟ وإن قضيتم بأقاويل الشعراء، وما كان عليه أهل الجاهلية الجهلاء، فما قبحوه مما لا يشك في حسنه، أكثر من أن نقف عليه، أو نتشاغل باستقصائه.
على أنه ليس بجود إلا ما أوجب الشكر، كما أنه ليس ببخل إلا ما أوجب اللؤم. ولن تكون العطية نعمة على المعطى، حتى تراود بها نفس ذلك المعطى. ولن يجب عليه الشكر إلا مع شريطة القصد.
وكل من كان جوده يرجع إليه، ولولا رجوعه إليه لما جاد عليك، ولو تهيأ له ذلك المعنى في سواك لما قصد إليك - فإنما جعلك معبراً لدرك حاجته، ومركباً لبلوغ محبته.ولولا بعض القول، لوجب لك عليه حق يجب به الشكر. فليس يجب لمن كان كذلك شكر، وإن انتفعت بذلك منه، إذا كان لنفسه عمل، لأنه لو تهيأ له ذلك النفع في غيرك، لما تخطاه إليك.
وإنما يوصف بالجود في الحقيقة، ويشكر على النفع في حجة العقل - الذي إن جاد عليك، فلك جاد، ونفعك أراد، من غير أن يرجع إليه جوده بشيء من المنافع، على جهة من الجهات، وهو الله وحده لا شريك له.
فإن شكرنا للناس على بعض ما قد جرى لنا على أيديهم، فإنما هو لأمرين: أحدهما التعبد، وقد نعبد الله بتعظيم الوالدين، وإن كانا شيطانين، وتعظيم من هو أسن منا، وإن كنا أفضل منه. والآخر، لأن النفس ما لم تحصل الأمور وتميز المعاني، فالسابق إليها حب من جرى لها على يده خير، وإن كان لم يردها، ولم يقصد إليها. ووجدنا عطية الرجل لصاحبه لا تخلوا أن تكون لله، أو لغير الله. فإن كانت لله، فثوابه على الله. وكيف يجب علي في حجة العقل شكره، وهو لو صادف ابن سبيل غيري لما حملني ولا أعطاني؟ - وإما أن يكون إعطاؤه إياي للذكر. فإذا كان الأمر كذلك، فإنما جعلني سلماً إلى تجارته، وسبباً إلى بغيته؛ أو يكون إعطاؤه إياي من طريق الرحمة والرقة، ولما يجد في فؤاده من الغصة والألم، فإن كان لذلك أعطى، فإنما داوى نفسه من دائه، وكان كالذي رفه من خناقه. وإنه كان إنما أعطاني من خوف يدي أو لساني، أو اجترار معونتي ونصرتي، فسبيله سبيل جميع ما وصفنا وفصلنا.
فلاسم الجود موضعان: أحدهما حقيقة، والآخر مجاز. فالحقيقة ما كان من الله، والمجاز المشتق له من هذا الاسم. وما كان لله كان ممدوحاً، وكان لله طاعة. فإذا لم تكن العطية من الله ولا لله، فليس يجوز هذا فيما سموه جوداً، فما ظنك بما سموه سرفاً؟ أفهم ما أنا مورده عليك، وواصفه لك: إن التربح والتكسب والإستئكال بالخديعة والطعم الخبيثة فاشيةغالبة، ومستفيضة ظاهرة. على أن كثيراً ممن يضاف اليوم إلى النزاهة والتكرم، وغلى الصيانة والتوقي، ليأخذ من ذلك بنصيب واف. فما ظنك بدهماء الناس وجمهورهم؟ بل ما ظنك بالشعراء والخطباء الذين إنما تعلموا المنطق لصناعة التكسب؟ وهؤلاء قوم بودهم أن أرباب الأموال قد جاوزوا حد السلامة غلى الغفلة، حتى لا يكون للأموال حارس، ولا دونها مانع.
فاحذرهم، ولا تنظر إلى بزة أحدهم، فإن المسكين أقنع منه، ولا تنظر غل موكبه، فإن السائل أعف منه. واعلم أنه مسك مسكين، وإن كان في ثياب جواد، وروحه روح نذل، وإن كان في جرم ملك. وإن اختلفت وجوه مسألتهم، واختلفت أقدار مطالبهم، فهو مسكين. إلا أن واحداً يطلب العلق، وآخر يطلب الخرق، وآخر يطلب الدوانيق، وآخر يطلب الألوف. فجهة هذا هي جهة هذا، وطعمة هذا هي طعمة هذا. وإنما يختلفون في أقدار ما يطلبون، على قدر الحذق والسبب. فأحذر رقاهم وما نصبوا لك من الشرك، واحرس نعمتك وما دسوا لها من الدواهي. واعمل على أن سحرهم يسترق الذهن، ويختطف البصر. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من البيان لسحراً. وسمع عمر بن عبد العزيز رجلاً يتكلم في حاجة فقال: هذا والله سحر الحلال. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا خلابة - واحذر احتمال مديحهم، فإن محتمل المديح في وجهه، كمادح نفسه.
إن مالك لا يسع مريديه، ولا يبلغ رضا طالبيه. ولو أرضيتهم بإسخاط مثلهم، لكان ذلك خسرانا مبيناً. فكيف ومن يسخط أضعاف من يرضى؟ وهجاء الساخط أضر من فقد مديح الراضي. وعلى أنهم إذا اعتوروك بمشاقصهم، وتداولوك بسهامهم، لم تر ممن أرضيته بإشخاطهم أحداً يناضل عنك، ولا يهاجي شاعراً دونك. بل يخليك غرضاً لسهامهم، ودريئة لنبالهم. ثم يقول: وما كان عليه لو أرضاهم! فكيف يرضيهم ورضا الجميع شيء لا ينال؟ وقد قال الأول: وكيف يتفق رضا المختلفين؟ وقالوا: منع الجميع أرضى للجميع.
إني أحذرك مصارع المخدوعين، وأرفعك عن مضاجع المغبونين. إنك لست كمن لم يزل يقاسي تعذر الأمور، ويتجرع مرارة العيش، ويتحمل ثقل الكد، ويشرب بكأس الذل، حتى كان يمرن على ذلك جلده، ويسكن عليه قلبه. وفقر مثلك مضاعف الألم، وجزع من لم يعرف الألم أشد. ومن لم يزل فقيراً فهو لا يعرف الشامتين، ولا يدخله المكروه من سرور الحاسدين، ولا يلام على فقره، ولا يصير موعظة لغيره وحديثاً يبقى ذكره، ويلعنه بعد الممات ولده.
ودعني من حكايات المستأكلين، ورقي الخادعين؛ فما زال الناس يحفظون أموالهم من مواقع السرف، ويخبئونها من وجوه التبذير. ودعني مما لا نراه إلا في الأشعار المتكلفة، والأخبار المولدة، والكتب الموضوعة. فقد قال بعض أهل زماننا: ذهبت المكارم إلا من الكتب!  فخذ فيما تعلم، ودع نفسك مما لا تعلم. هل رأيت أحداً قط أنفق ماله على قوم كان غناهم سبب فقره، أنه سلم عليهم حين افتقر، فردوا عليه - فضلاً على غير ذلك؟ أولست قد رأيتهم بين محمق، ومحتجب عنه، وبين من يقول: فهلا أنزل حاجته بفلان الذي كان يفضله ويقدمه ويؤثره ويخصه؟ - ثم لعل بعضهم أن يتجنى عليه ذنوباً، ليجعلها عذراً في منعه، وسبباً إلى حرمانه. قال الله جل ذكره: "يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون، خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون".
فأنا القائم عليك بالموعظة والزجر، والأمر والنهي؛ وأنت سالم العقل والعرض وافر المال، حسن الحال. فاتق أن أقوم غداً على رأسك بالتقريع والتعبير، والتوبيخ والتأنيب، وأنت عليل القلب، مختل العرض. عديم من المال، سيئ الحال.
ليس جهد البلاء مد الأعناق، وانتظار وقع السيوف؛ لأن الوقت قصير، والحس مغمور. ولكن جهد البلاء أن تظهر الخلة، وتطول المدة، وتعجز الحيلة؛ ثم لا تعدم صديقاً مؤنباً، وابن عم شامتاً، وجاراً حاسراً، وولياً قد تحول عدواً، وزوجة مختلعة، وجارية مستبيعة، وعبداً يحقرك، وولداً ينتهرك.
فانظر أين موقع فوت الثناء، من موقع ما عددنا عليك من البلاء؟ على أن الثناء طعم، ولعلك ألا تطعمه، والحمد أرزاق، ولعلك ألا تحرمه.
وما يضيع من إحسان الناس أكثر. وعلى أن الحفظ قد ذهب بموت أهله. ألا ترى أن الشعر لما كسد أفحم أهله، ولما دخل النقص على كل شيء أخ الشعر منه بنصيبه، ولما تحولت الدولة في العجم - والعجم لا تحوط الأنساب، ولا تحفظ المقامات - لأن من كان في الريف والكفاية، وكان مغموراً بسكر الغنى، كثر نسيانه، وقلت خواطره. ومن احتاج تحركت همته، وكثر تنقيره.
وعيب الغني أنه يورث البلادة، وفضيلة الفقر أنه يبعث الفكر ... 

Veuillez Cliquez ICI

Aucune note. Soyez le premier à attribuer une note !

diplome-1.jpg

×